Supprimer toutes les publicités avec l'asso-pack + ?
Commander !

“تابلاط”… الجزائر الصغرى تنهار

 

 “تابلاط”… الجزائر الصغرى تنهار

مفارقة العطش في عاصمة الينابيع

 

° 60 قرية تستغيث عبر 4 بلديات

° ثروة سياحية تنتظر التفعيل وحكايا 11 قرنا

 

ربورتاج: حسينة روان/عبد العلي بوطيش

تصوير: بلال شريد

 

تابلاط.. أو “تابلاتونسيس” كما كانت تسمى في العهد الروماني، ثاني حضارة مرت بها المنطقة بعد السكان الأمازيغ الأصليين، وثاني أقدم بلدية في الجزائر بعد الحراش، فضلا عن كونها أعرق مركز دائرة وبلدية دائرة بولاية المدية. تقع تابلاط جنوب مرتفعات الأطلس البليدي على ضفاف الطريق الوطني رقم 8، على بعد 60 كيلومترا عن ولاية الجزائر و120كلم عن ولاية المدية.

وكانت تابلاط قديما خزانا كبيرا لجيوش الفاتح الإسلامي الشهير “طارق بن زياد”، كما شكّلت محضنا أنجب كبار الشخصيات الدبلوماسية والثورية التي يشهد لها التاريخ وتنحني لها الرؤوس إجلالا، لأنها تركت بصمة لا تزال الأجيال ترددها وتفاخر بها، فهذه المنطقة أنجبت أعلام بوزن “الأخضر الابراهيمي”، “عمر بوجلاب” و”عبد القادر تيجاني”، كما احتضنت جبال العيساوية الشهيدة الرمز “لالا فاطمة نسومر” أثناء كفاحها إلى غاية دفنها هناك، قبل نقل ثراها إلى مقبرة “العالية” بالعاصمة.

في حدود الواحدة زوالا وصلنا إلى “تابلاط”، كانت الأمطار تتهاطل بغزارة والمشهد العام يوحي بمظاهر التخلف التي كانت سمة تطغى على وسط المدينة نظرا لطبيعة البنايات البسيطة المتوزعة في فوضى هنا وهناك، مسجد صغير، مقاهي كثيرة وبلدية “هيكل بدون روح” لأنها لا تفي بالغرض مثلها مثل باقي بلديات الجزائر، حيث استغربنا أنها لا تقدم أدنى الخدمات والمتعلقة باستخراج الوثائق الادارية، ما يدفع السكان إلى قطع 120 كلم للوصول إلى مقر الولاية.

طيف سكان بني مزغنة

تضم “تابلاط” لوحدها أكثر من 60 قرية تتوزع على أربع بلديات هي: “تابلاط”، “العيساوية”، “مزغنة” و”فج الحوضين” ما يحيل على الطريقة الأمازيغية في السكن، وإذا عدنا إلى التاريخ فإنّ منطقة “تابلاط” تضم قرى عربية وأمازيغية، ما يدل على التمازج الثقافي والعرقي الحاصل منذ القدم.

كما يعود هذا العدد الهائل من القرى بتابلاط إلى أسباب متعددة، لعل أبرزها حسب مصادر تاريخية وتصريح كبار الشيوخ الذين التقاهم مندوبو “الوسط”، يعود إلى الهجرة الأولى لسكان الجزائر العاصمة (بني مزغنة في زمن بولوغين بن الزيري) وضواحيها نحو “تابلاط” غداة الحملة الإسبانية الشهيرة سنة 1541، وتأسيسهم مزغنة جديدة تقع 6.5 كلم جنوب مدينة “تابلاط”، وتحمل الضاحية هذا الاسم نسبة إلى “مزار مزغنة” المعروف محليا بـ “القبة” إلى جانب الهجرة الثانية أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر، حيث فضل الكثير من سكان العاصمة آنذاك الهروب نحو الجبال نظرا للتضاريس المساعدة على القتال والهروب من بطش المحتلين الذين اجتاحوا البلد بوحشية.

وليس بخاف استنادا إلى مراجع تاريخية موثقة، أنّ القاطنين الحاليين لتابلاط هم السكان الأصليين للجزائر العاصمة، وتوجد منطقة في تابلاط تسمى “مزغنة” نسبة إلى المنطقة التي كانت تؤوي العاصميين الأوائل قبل أحد عشر قرنا.

 

من همجية الإرهاب إلى انحطاط التسيير

لا يزال سكان “تابلاط” يذوقون الأمرّين في ظل النقائص الجمة التي تشهدها منطقتهم، التي لم تنهض بعد من تقهقرها التنموي بالرغم من المخصصات المالية الضخمة التي منحتها الدولة للعاصمة التاريخية لبايلك التيطري، حيث أنّ علامات البؤس والحرمان لا تزال موجودة، بعد معاناة طويلة من ويلات الارهاب الهمجي الذي عاث فسادا في هذه المنطقة، وجعل التنمية هناك صفرية وأخلط أوراق محيط بأكمله، إلى جانب تجاهل المسؤولين وعدم تكفلهم بانشغالات السكان، ما جعل الوثبة المنتظرة حبيسة أدراج إدارة راكدة.
ولو عدنا بالذاكرة إلى سنوات الجمر التي مست مختلف أرجاء الوطن، لرأينا مشاهد البؤس والخوف والضياع بادية على أوجه مواطني تابلاط، حينما كان أبناء المنطقة يفرّون بجلودهم من المداشر والقرى نحو المدن والتجمعات السكانية بحثا عن الأمن، تاركين وراءهم أرزاقا وثروات وذكريات جميلة في أرياف وسهول على مد البصر، وبعد طول نفق اجتاز مواطنو تابلاط عدمية تكرّست لسنوات طويلة.

 

استنزاف ممنهج بفعل غياب المشاريع وانقطاع السبل

يعاني سكان قرى ومداشر تابلاط – بدون استثناء- من انعدام سبل الحياة الكريمة، في ظل وضع تنموي أعلن قطيعة غير مفهومة مع منطقة جبلية حيوية، ما أقحم السكان في معاناة طال أمدها، وتسبب الذي تقدّم في تصنيف القرى المسماة “بني عثمان” في خانة الأفقر على مستوى شمال البلاد.

وتشكو تلك القرى من ارتفاع معدلات الأمية خصوصا لدى فئة الإناث، فيما يتوقف الذكور عن الدراسة بعد انتهاء مرحلة التعليم الابتدائي مباشرة، ويُرجع أبناء المنطقة هذا الوضع إلى ضعف قدراتهم المادية التي تقف حائلا في وجه إعالة أبنائهم فما بالك بضمان تمدرسهم.

غير أنّ الواقع يكشف أن الأبناء يطرقون باب العمل مباشرة لإعالة أسرهم في ظل الفقر المتفشي، بينما فعلت البطالة فعلتها لدى شريحة الشباب، ما يضطر هؤلاء للتنقل إلى سهول المتيجة من أجل الانخراط في أنشطة زراعية، في حين تبقى فئة من أسعفها الحظ في التمدرس رهينة عقود ما قبل التشغيل.

كما يفتقر سكان تابلاط إلى شريان تنموي يخرجهم من عنق الزجاجة، كقرى “أهل الذراع”، “تاكربوس” و”دشرة النعامين” التي كان للوسط حديث مع كبار مسنيها الذين عايشوا ثالوث: الاستدمار، العشرية السوداء وعشرية الفساد وسوء تسيير الوجوه المتعاقبة على كرسي المسؤولية، ويتعلق الأمر بمنتخبين – يقول مخضرمو تابلاط- لم يكلفوا أنفسهم عناء بعث مشاريع تنموية كان من شأنها إخراجهم من دائرة العزلة الممنهجة التي لطالما استنزفت أهالي المنطقة.

وتذهب مراجع الوسط إلى أنّ السياسة المتّبعة في عهد المحتل القديم لا تزال آثارها تظهر من خلال مظاهر العزلة والحرمان، وأتى الذي حدث إبان سنوات الجمر ليقضي على الآمال ويمعن في الآلام.

وفي استطلاعنا الميداني، لاحظنا غياب مرافق ضرورية جاذبة للنازحين أثناء العشرية السوداء، ويقدر تعداد هؤلاء بأكثر من ثلث إجمالي السكان نحو المناطق الآمنة نسبيا، كما لم نلحظ أي تحسن في أي قطاع حساس على غرار النقل، الرياضة، وحتى مجال التعليم إلى جانب افتقاد سكان تابلاط لقاعات علاج رغم أهميتها القصوى سيما للفئات الهشة وذوي الأمراض المزمنة.

والغريب في جزائر 2013، أنّه من أجل أخذ حقنة يضطر المريض إلى قطع قرابة ثلاثة كيلومترات، بينما يتم إرغام الحوامل على التنقل إلى مستشفـى يبعد عن القرى المتوزعة بعشرين كيلومترا.

مشاكل لها أول وليس لها آخر!

وتتعدد مشاكل سكان تابلاط، منها أن هذه المناطق لا تتوفر إلاّ على بعض المدارس التي ما تزال تصارع من أجل البقاء، إذ بلغت من العمر حوالي خمسين سنة. وحسب حديث السكان فإنّ السلطات المحلية عكفت خلال الفترة الأخيرة على إنقاذ أبنائهم من شبح الأمية، عن طريق تعزيز القطاع التربوي بحزمة منشآت من شأنها رفع مستوى هؤلاء، لتبقى الخدمات الأخرى في الحضيض كالمرافق الخدماتية، إذ يتجشم المعنيون عناء تنقلات مضنية يتجاوز معدلها الساعة للظفر بضرورويات حياتية.

هاجس الظمأ في منطقة تنام على بحر من ماء

هي مفارقة مثيرة للجدل في منطقة تشتهر بأحواضها إلى درجة أنها باتت تحمل كنية “عاصمة الينابيع”، ومع ذلك يشير السكان في حديثهم للوسط إلى أنهم يعانون أزمة عطش حادة نتيجة افتقارهم للمياه الصالحة للشرب، حيث يضطرون في كل مرة إلى اللجوء للتزود بهذه المادة الحيوية عن طريق شراء صهاريج المياه، ما يكلفهم مصاريف إضافية هم في غنى عنها.

وفي لقاء مندوبي “الوسط” بسكان الحي، استغل هؤلاء الفرصة للتعبير عن سخطهم جرّاء استمرار الوضع على هذه الحال لسنوات طويلة، وشدد من تحدثوا لـ “الوسط” على أنّ معضلة المياه استهلكت عقدين، متسائلين في السياق ذاته عن سبب تماطل السلطات في حل هذا الإشكال، طالما أنّ منطقتهم تزخر بينابيع كثيرة تتدفق من أعالي الجبال.

شباب ضائع بين الأرصفة والمقاهي

التف حولنا شباب منهم مراهقين ومنهم في العشرينيات والثلاثينيات، وردّدوا جميعهم عبارة واحدة “مشكلتنا العويصة هي غياب فرص العمل وانعدام المرافق الترفيهية”، كما شدّدوا على أنّ ظاهرة البطالة تفشت بشكل واسع في صفوفهم، خاصة بعد سنوات التسعينات التي كانت أحر من الجمر عليهم مقارنة بغيرهم من قاطني البلديات الأخرى.

وركّز طلائع الجيل الجديد على أنّ منطقتهم تفتقر لكل أنواع الاستثمار، حيث لم يجد شبابها سوى أرصفة منازلهم المهترئة أو كراسي المقاهي المتكسرة لقضاء أوقاتهم، ولأجل الحصول على لقمة العيش يمارس بعضهم المهن الحرة كالعمل في ورشات البناء، في حين يمتهن فريق آخر الفلاحة، ويستغل قطاع ثالث فرص الشغل الموسمي.

ثروات سياحية تنتظر التفعيل

تحتل تابلاط موقعا استراتيجيا وإمكانات طبيعية تؤهلها لتكون أكبر قطبا سياحيا هائلا، وتعود تسمية البلدية بهذا الاسم إلى موقعها الذي ينحصر بين حوضين/ رافدين مائيين ينحدران من أعالي الجبال راسمة منظرا طبيعيا رائعا، واشتهرت هذه البلدية الفتية بمياهها العذبة فأصبحت قبلة للعديد من عائلات الولاية وكذا مختلف الولايات الأخرى وأصبح يعرفها القاصي والداني.

وخلال الجولة التي قادت “الوسط”إلى هذه المنطقة، استوقفتنا الأعداد الكبيرة من قاصدي هذا المنبع الطبيعي من مختلف الولايات، وهو ما دفعنا لمعرفة سبب هذا الإقبال الكبير والمتزايد بين الفترة والأخرى خاصة من طرف العائلات، بينها عائلة عمي محمد القادمة من الشرق الجزائري وبالضبط من ولاية ميلة، سألناها عن سبب مجيئها لهذا المنبع فأجابنا الابن “رياض” قائلا: “والدي يعاني من مرض ترسب الحصى في الكلى والذي خلف له نوعا من الآلام، وورد إلى علمنا أنّ مياه العين تساعد مرضى الكلى على إسقاط الحصى المترسبة داخلها والشفاء من الآلام نهائيا وهو ما دفعنا إلى قصد هذه العين”.

الحوضان.. عذوبة وشفاء  

ولمعرفة صحة الروايات التي يتداولها الناس عن خصوصية هذه المياه، اقتربنا من أحد القائمين على هذا المكان وهو “بومدين نوري”، الذي أكد لنا أنه توجد روايات كثيرة عن مياه الرافد، لكن المتداول أكثر هي أنه في وقت مضى كانت امرأة تعاني من آلام نتيجة ترسب الحصى في الجدار الداخلي لكليتها، فذهبت إلى المستشفى وهناك أخبرها الطبيب المعالج بضرورة الخضوع لعملية جراحية من أجل إزالة الحصى نهائيا والتخلص من الترسبات، إلا أنها لم تكن تريد الخضوع لهذه العملية فدلها أحد قاطني المنطقة ممن التقاها في المستشفى على رافد للمياه المعدنية في المنطقة يساعد على علاج مثل هذه الحالة دون الخضوع إلى عملية جراحية، وهو ما قامت به السيدة التي أخذت تتزود من هذه المياه طيلة شهرين، وبعد رجوعها للطبيب لإجراء فحص تبين أنّ الحصى التي كانت متواجدة قد زالت نهائيا من الكلى. وهذا ما أثار تساؤل الطبيب عن الوصفة التي اتبعتها من أجل التخلص من حصى الكلية فدلته على العين، والتي تسمى حالياً “الحوضان” (الدوباسان) فأخذ الطبيب كمية من هذه المياه، وقام بتحليلها فوجدها تحتوي على مكونات طبيعية تساعد المرضى على التخلص من الآلام، ومن هنا اشتهرت مياه هذا المنبع الطبيعي وبذلك اشتهار المنطقة ككل، وأصبحت بذلك مقصدا لطالبي العلاج من كل حدب وصوب.

وإلى جانب هذا الرافد يوجد رافد آخر طالته يد الإنسان بعد عملية التهيئة والصيانة التي قامت بها البلدية، إلا أنّ هذه المجهودات المبذولة ذهبت أدراج الرياح نتيجة التصرفات اللاّمسؤولة من مرتادي هذا المكان من العائلات والمارة، الذين يتوقفون بجانب هذا الرافد ولا يكلفون أنفسهم عناء القيام بعملية رفع القمامات التي باتت تشوه المنظر الجمالي لهذه المنطقة.

وأكّد لنا “نوري” المشرف على هذا المكان أنّ التصرفات المشينة لمرتادي هذا المكان جعلت بعض العائلات تعزف عن المجيء رغم استتباب الأمن وعودة السلم إلى المنطقة بعد سنوات الجمر التي عاشتها خلال التسعينات، والتي كانت جبالها خلالها ملجأ للجماعات الإرهابية، وأضاف محدثنا: “من خلالكم أوجه نداء إلى مرتادي المنطقة أن يحافظوا على نظافة هذا المكان لتجنب تشويه مظهره الجمالي، وكذا تسهيل عمل مصالح النظافة التي تقوم بواجبها على أكمل وجه”.

جريدة الوسط